ضوابط التصدير الغربية للتقنيات الكمومية تتحول إلى استراتيجية صناعية شاملة

كشف تحليل جديد صادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) أن الحكومات الغربية لم تعد تستخدم ضوابط التصدير لمجرد تقييد تقنيات الحوسبة الكمومية الحساسة، بل باتت توظفها بشكل متزايد لرسم ملامح البنية المستقبلية لصناعة الحوسبة الكمومية العالمية، في تحول استراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً لأهمية هذه التقنية الناشئة.
وبحسب التقرير، غيّرت الولايات المتحدة وعدد من حلفائها نهجهم جذرياً تجاه ضوابط تصدير التقنيات الناشئة. فبدلاً من انتظار نضوج الحوسبة الكمومية كصناعة تجارية راسخة، تفرض الحكومات قيوداً على سلسلة التوريد الكمومية بأكملها تقريباً، مع ضخ مليارات الدولارات لتعزيز القدرات الصناعية المحلية. ويصف الباحثان دونغيون تشو والدكتورة ماريا شاغينا هذا التحول بأنه انتقال من سياسة ضوابط التصدير التقليدية نحو ما يسمونه "الاحتواء الاستباقي" — وهو جهد لإبطاء المنافسين الاستراتيجيين قبل أن تصبح التقنيات الكمومية متاحة تجارياً على نطاق واسع.
تعكس هذه الاستراتيجية مخاوف متنامية من أن الحوسبة الكمومية قد تمنح مزايا عسكرية واستخباراتية من خلال تطبيقات تتراوح بين التشفير والاتصالات الآمنة، وصولاً إلى التحسين والاستشعار والمحاكاة المتقدمة. غير أن التقرير يخلص إلى أن قيود التصدير وحدها لن تحسم الريادة في التقنيات الكمومية، إذ تدرك الحكومات أن التحكم في الوصول إلى التقنيات الحرجة يجب أن يقترن باستثمار مستدام في الشركات المنتجة لها. ويكتب المحللون: "السؤال الحاسم لم يعد أي التقنيات نحرمها عن الخصم، بل أي عُقد في منظومتنا نحافظ عليها".
يتتبع التقرير إطار ضوابط التصدير الحالي إلى انهيار التوافق داخل ترتيب واسينار الدولي، وذلك بعد عرقلة روسيا لتحديثاته منذ عام 2022. ومنذ 2024، طوّرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة واليابان وشركاء آخرون أنظمة منسقة إلى حد كبير لكنها منفصلة قانونياً. واللافت أن الحوسبة الكمومية تُنظَّم عبر جميع طبقات بنيتها التقنية قبل وصول الصناعة إلى مرحلة التسويق الواسع، وتشمل القيود الحواسيب الكمومية الكاملة والمعدات المُمَكِّنة وأجهزة التبريد فائق البرودة والمواد المتخصصة والبرمجيات والمعرفة التقنية.
يبرز في صلب التقرير مفهوم "العُقد الحرجة" — وهي شركات أو منشآت قليلة تحتل مواقع لا يمكن الاستغناء عنها في سلسلة التوريد الكمومية. فعلى مستوى المواد، لا يتوفر السيليكون-28 المُخصَّب نظائرياً المستخدم في كيوبتات الدوران المغزلي عالية الأداء إلا في منشآت محدودة عالمياً. كما يظل الهيليوم-3 اللازم لأنظمة التبريد التخفيفي التي تُبرِّد الحواسيب الكمومية إلى درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق شحيحاً، لأنه يُنتَج أساساً كمنتج ثانوي لتحلل التريتيوم.
يُجسِّد هذا التحول في ضوابط التصدير الغربية نموذجاً جديداً للدعم الحكومي الاستراتيجي لقطاع الحوسبة الكمومية، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على الحماية السلبية بل امتد ليشمل البناء الصناعي الفاعل. إن الحكومات التي تدرك مبكراً أن السيادة التقنية في عصر الحوسبة الكمومية تتطلب مزيجاً من الاستثمار المحلي المكثف وحماية سلاسل التوريد الحرجة، ستكون الأقدر على تأمين موقعها في خارطة التقنية العالمية المستقبلية.

